التحرر من العقليات الشيطانية
هناك الكثير من الناس في العالم اليوم يعيشون في عبودية، ولكن ليست كل عبودية نتيجة مس شيطاني نشط. في الواقع، يعاني عدد كبير من الناس ليس لأنهم تحت وطأة عذاب الشياطين، بل لأنهم ورثوا أنماطًا فكرية شكلها اضطهادهم الشيطاني. بمعنى آخر، ما يحاربونه ليس روحًا تسكنهم، بل طريقة تفكير توارثوها جيلًا بعد جيل.
على سبيل المثال، قد تكون الجدة قد نشأت في بيئة فقيرة ومُعذّبة. وقد رُبيت على تقبّل المعاناة كأمر طبيعي. ثم نقلت هذا الاعتقاد إلى ابنتها، التي عاشت هي الأخرى في نفس الدائرة. ثم نقلت الابنة التفكير نفسه إلى أبنائها. ما يُورث هنا ليس الشيطان نفسه، بل العقلية الناتجة عن الاضطهاد الشيطاني. لقد علّم نظام شيطاني العائلة كيف تُعاني، وقد حُفظ هذا النظام من خلال أنماط التفكير والمواقف والقرارات.
لهذا السبب، من المهم جدًا إدراك الفرق بين المس الشيطاني والعقليات الشيطانية. الشياطين ليست كائنات حاضرة في كل مكان. بخلاف الله، الموجود في كل مكان وفي كل زمان، فإن الشياطين محدودة. لا يمكنها التواجد إلا في مكان واحد في كل وقت. ولذلك، نادرًا ما تبقى الشياطين مع شخص واحد لفترة طويلة. بل تسعى للتأثير، وغرس الأفكار، وتأسيس الأنماط. بمجرد أن تتجذر طريقة تفكير، قد يرحل الشيطان، لكن حصن العقل يبقى.
المأساة أن كثيرًا من المؤمنين يخلطون بين بقايا التأثير الشيطاني ووجود الشياطين. فيظنون أنهم ممسوسون أو مضطهدون، بينما في الواقع، يعيشون ببساطة عقلياتٍ خلقها اضطهادٌ شيطانيٌّ سابق. على سبيل المثال، قد تكون المرأة قد نشأت في كنف أمٍّ كانت شديدة المرارة تجاه الرجال. قد تكون هذه المرارة قد وُلدت من تأثير شيطاني في حياة الأم، لكن الابنة ترث المرارة ليس من خلال المس، بل من خلال التقليد. لقد رُبيت على كراهية الرجال بالقدوة. الابنة ليس لديها شيطان؛ بل لديها عقليةٌ شيطانية.
حذّر بولس تيموثاوس من هذا الواقع تحديدًا عندما كتب: "يقول الروح القدس صراحةً إنه في الأزمنة الأخيرة، سيرتد قوم عن الإيمان، مُتبعين أرواحًا مُضلة وتعاليم شياطين" (تيموثاوس الأولى ٤: ١). تُرسخ الشياطين عقائد - طرق تفكير - تُأسر الناس لفترة طويلة بعد رحيل الأرواح نفسها. يمكن أن تنتشر هذه العقائد بين العائلات والمجتمعات، بل وحتى بين الأمم بأكملها. إنها تُرسّخ الفقر والخوف والكراهية والمرارة والهزيمة.
قصة جدعون في سفر القضاة 6 توضح ذلك تمامًا. كان جدعون مختبئًا في معصرة، يدرس القمح، خائفًا من المديانيين. ومع ذلك، في تلك اللحظة، لم يكن المديانيون حاضرين. ورث جدعون عقلية الهزيمة. كان يعتقد أن كل حصاد سيُسرق، فعاش مختبئًا. كان مضطهديه غائبين، لكن خوفه كان حقيقيًا. هكذا تعمل الأنظمة الشيطانية. إنها تُهيئنا لتوقع الفشل حتى في غياب العدو.
يقدم لنا الكتاب المقدس حلاً واضحًا: "لا تُشاكِلوا هذا الدهر، بل تغيَّروا بتجديد أذهانكم" (رومية ١٢: ٢). التحرر مهم، لكن الحرية الدائمة لا تأتي إلا بتجديد العقل. يمكنك طرد الشياطين، ولكن إذا بقيت العقلية على حالها، فسيعيش الشخص كما لو كان لا يزال مقيدًا. وقد أكد يسوع هذه الحقيقة عندما قال: "تعرفون الحق، والحق يُحرِّركم" (يوحنا ٨: ٣٢).
حتى بعد الخلاص، قد يبدو المؤمنون وكأنهم يعيشون في عذابٍ لأنهم لم يُغيّروا تفكيرهم بعد. إنهم مُخلّصون، لكن عقولهم لا تزال مُقيّدة بظلم الماضي. ولذلك أعلن بولس أيضًا: "لنا فكر المسيح" (كورنثوس الأولى ٢: ١٦). يأتي التحوّل عندما نستبدل أنماط تفكيرنا القديمة بأفكار المسيح.
الحرب الروحية، إذًا، لا تقتصر على طرد الشياطين. يوضح بولس ذلك في رسالته الثانية إلى أهل كورنثوس ١٠: ٤-٥: "لأن أسلحة حربنا ليست جسدية، بل قادرة بالله على هدم حصون، وهدم الظنون وكل علو يرتفع ضد معرفة الله، وأسر كل فكر إلى طاعة المسيح". المعركة الحقيقية تكمن في العقل. تُبنى الحصون بالحجج والأكاذيب والعقائد. ولا تُهدم إلا عندما نواجه تلك الأكاذيب بحقيقة كلمة الله.
الخبر السار هو أنه لا ينبغي لأحد أن يبقى أسيرًا لأفكار موروثة. فكلمة الله قوية بما يكفي لاقتلاع كل معتقد خاطئ، وشفاء كل صدمة، وتأسيس أنماط إيمانية جديدة. ربما توارثنا الفقر والمرارة والخوف والكراهية، لكن من خلال المسيح، يُمكننا أن نرث إرثًا جديدًا. بتجديد عقولنا، نُوفق بين بركات الله بدلًا من لعنات الأنظمة الشيطانية.
الحرية الحقيقية لا تأتي فقط من خدمات الخلاص، بل من إعادة تأهيل القلب والعقل يوميًا. عندما نتأمل في كلمة الله، عندما نستبدل الكذب بالحق، عندما نرفض الخوف ونعتنق الإيمان، نخرج من الأسر إلى الحرية. تُربح المعركة عندما يتوقف المؤمن عن التصرف كضحية للقمع ويبدأ العيش كابن لله.
إن الانتصار على الأنظمة الشيطانية لا يقتصر على طرد الشياطين فحسب، بل يشمل أيضًا هدم معاقلهم العقلية. وبمجرد تجديد العقل، لا يمكن لأي نظام شيطاني - ماضيًا كان أم حاضرًا أم مستقبليًا - أن يمنعنا من السير في ملء نعمة الله.
1. التعليم النبوي
خصص وقتًا هذا الأسبوع لتدوين الجوانب التي تلاحظ فيها أنماطًا موروثة - الفقر، والخوف، والمرارة، والهزيمة. أعلن كلمة الله على كل منها، واكسر اتفاقك مع تلك العقليات بالصلاة. وبينما تجدد عقلك، توقع أن تتجلى الحرية في حياتك.
2. التركيز على الصلاة
صلِّ يوميًا مع رومية ١٢: ٢ وكورنثوس الثانية ١٠: ٤-٥. اطلب من الرب أن يكشف لك عن حصون خفية في تفكيرك، وأن يستبدلها بفكر المسيح.
3. الخطوة العملية
اختر جانبًا واحدًا من حياتك لطالما فكرت فيه: "هكذا هي الأمور". واجه هذه الفكرة بالكتاب المقدس. على سبيل المثال، إذا كان الفقر، فذكر فيلبي ٤:١٩. وإذا كان الخوف، فذكر ٢ تيموثاوس ١:٧. ابدأ بإعادة تثقيف عقلك بحقيقة الله.