يسمعون فلا يسمعون، ويبصرون فلا يبصرون
"يسمعون لا يسمعون، ومبصرون لا يبصرون" (متى ١٣: ١٣). يكشف هذا الكتاب المقدس عن إحدى أعمق الحقائق الروحية: قد يرى الإنسان شيئًا بعينيه، لكنه لا يدركه بروحه. قد يسمع كلمات بآذانه، لكنه لا يفهم معناها الحقيقي. كثير من الناس الذين يعانون من دوامات الفقر أو الارتباك أو الركود لا يواجهون تحديات خارجية فحسب، بل يواجهون تحديات داخلية أيضًا. تتعرض قدرتهم على إدراك المواقف وتفسيرها والاستجابة لها لهجوم روحي. عندما يتشوش الإدراك، تغيب الفرص. وعندما يكون السمع الروحي ضعيفًا، يغيب التوجيه.
يصف الكتاب المقدس حالة روحية تُسمى النوم. يقول إشعياء ٢٩:١٠: "لأن الرب قد سكب عليكم روح سبات عميق، وأغمض أعينكم". هذا ليس نومًا جسديًا، بل هو خمول روحي. الإنسان في هذه الحالة يمضي في حياته كأنه يحلم. يرى، لكنه لا يُدرك. يسمع، لكنه لا يفهم. يتخذ قراراته بناءً على افتراضات لا على وحي. تُصبح أفكاره ضبابية، وحكمه مشوهًا. هذه إحدى أكثر استراتيجيات العدو فعالية: فهو لا يهاجم دائمًا بإغلاق الأبواب؛ بل يهاجم بعمى العيون التي يجب أن تميز الأبواب.
تُفقَد فرصٌ كثيرة، ليس لغيابها، بل لاختلاف إدراك الشخص. قد تُفوِّت شابةٌ فرصةً حقيقيةً لأن رأيها أعمى بصيرتها عن إدراك قيمة ما يُقدِّمه الله لها. وقد يُخطئ شابٌّ في تقدير بابٍ مفتوحٍ لأن عقليته قد تشكَّلت من خيبات أملٍ سابقة. قد يمرُّ الناس مرور الكرام على الإجابة التي دعوا من أجلها، ولا يدركون أنها كانت موجودةً هناك، لأن إدراكهم لم يُشفَ.
هذه الحقيقة جليةٌ في بني إسرائيل على أطراف الأرض الموعودة. فلما عاد الجواسيس، قالوا: "كنا في أعيننا كالجراد، فكنا في أعينهم" (العدد ١٣: ٣٣). لم تكن مشكلتهم العمالقة في الأرض، بل كانت العمالقة في عقولهم. ولأنهم أخطأوا في تقدير أنفسهم، فقد أخطأوا في تفسير الموقف، فاستجابوا استجابةً خاطئة. أبطأ الله دخولهم في الوعد - لا ليعاقبهم، بل ليحفظه من الضياع. لو دخلوا بعقلية خاطئة، لأساءوا إدارة النعمة. لذلك سمح لهم بالتيه حتى يدخل جيلٌ ذو بصيرة سليمة. لا ينفصل القدر عن الإدراك. إن وعد الله يتطلب عقلًا إلهيًا.
ينطبق هذا المبدأ نفسه على العلاقات والحياة اليومية. يفقد كثيرون من الناس من يُعينهم على مصيرهم لأنهم يستمعون إلى أخبار خاطئة عن شخص ما. ويُسيء آخرون تفسير نوايا الآخرين لأن جراحهم الماضية قد أثرت على إدراكهم. ويجادل البعض بلا هوادة، ليس لعدم وضوح الكلمات، بل لأن أحدهم يسمع صوتًا دون فهم معناه. ولهذا قال يسوع مرارًا: "من له أذنان للسمع فليسمع" (متى ١١: ١٥). فالسمع ليس مجرد استقبال صوت، بل هو استقبال فهم. والبصر ليس مجرد ملاحظة، بل هو تمييز.
بينما نصلي اليوم، وخاصةً في هذا الوقت من الصيام والتناغم الروحي، يُعيد الله صفاءك. إنه يفتح أعينك لترى ما أسأت فهمه سابقًا. إنه يُشحذ آذانك لسماع صوته دون تحريف. ينقشع الضباب الذي حجب إدراكك. ستبدأ بإدراك الفرص والعلاقات والمسارات التي كانت خفيةً في السابق. هذا موسم صحوة ووضوح إلهي وفهم متجدد. ستُرتّب خطواتك، وستُنسّق قراراتك، وسيُشفى إدراكك.
وفيما يلي نقاط الصلاة اليوم:
يا أبتِ، افتح عينيّ لأرى بوضوح.
"افتح عينيّ لأرى عجائب من شريعتك" (مزمور ١١٩: ١٨).
٢. يا أبتِ، افتح أذنيَّ لأسمعَ جيدًا.
«يُوقِظُ أُذُني لأَسْمَعَ كَمَا يَسْمَعُ الْمُتَعَلِّمُ» (إشعياء ٥٠: ٤).
٣. يا أبتِ، جدّد عقلي وأعطني الإدراك الصحيح.
«تَغَيَّرُوا بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ» (رومية ١٢: ٢).
يا أبتِ، افتح لي أبوابي، وامنحني القدرة على إدراك كل فرصة إلهية.
«لقد جعلتُ أمامك بابًا مفتوحًا، ولا يستطيع أحدٌ أن يغلقه» (رؤيا ٣: ٨).